أكد المستشار محمد شوقي، النائب العام، أن القضاء ليس مجرد سلطة للفصل في الخصومات، بل يمثل الملاذ الذي يلجأ إليه الضعيف، والحصن الذي تُصان في ظله الحقوق، والميزان الذي تستقيم به حياة الناس، مشددًا على أن العمل بالنيابة العامة مسؤولية كبيرة وأمانة تتطلب النزاهة والإنصاف والالتزام بأحكام القانون.
جاء ذلك خلال كلمته في احتفالية أداء الأعضاء الجدد بالنيابة العامة اليمين الدستورية، بحضور المستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل، والمستشار ربيع لبنة، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وعدد من قيادات وزارة العدل والنيابة العامة، إلى جانب أسر الأعضاء الجدد.
النائب العام: لا دولة قوية بغير قضاء مستقل وعادل
وشدد المستشار محمد شوقي على أن قوة الدول واستقرار المجتمعات يرتبطان بوجود قضاء مستقل وعادل، وقانون يسري على الجميع دون تمييز، موضحًا أن التنمية والاستثمار وحماية الحقوق لا يمكن أن تتحقق على نحو سليم إلا في ظل منظومة قضائية تنصف المواطنين، وتؤدي النيابة العامة من خلالها دورها في حماية الحقوق وصون الشرعية والدفاع عن مصالح المجتمع.
وأضاف أن النيابة العامة تمثل إحدى دعائم استقرار الدولة ومظهرًا من مظاهر سيادة القانون، مؤكدًا أن ثقة المواطنين في عدالة القضاء تعزز شعورهم بالأمان والطمأنينة، وتدعم استقرار المجتمع.
«ما كان مباحًا لغيركم قد لا يليق بكم».. رسالة حاسمة للأعضاء الجدد
ووجه النائب العام رسالة مباشرة إلى الأعضاء الجدد، مؤكدًا أن أداء اليمين الدستورية لا يمثل مجرد إجراء رسمي أو بداية وظيفة جديدة، وإنما إعلان عن تحمل مسؤولية قضائية تفرض على أصحابها التزامات تتجاوز حدود الحياة المهنية المعتادة.
وأوضح أن عضو النيابة العامة لا يمثل نفسه فقط، بل يعكس صورة العدالة ووجه الدولة أمام المجتمع، لافتًا إلى أن طبيعة عمله تفرض عليه الانضباط في سلوكه، والحرص في قراراته، والابتعاد عن كل ما قد يؤثر في الثقة التي يتعين أن يحظى بها.
وقال إن «ما كان مباحًا لغيركم قد لا يليق بكم»، في إشارة إلى ما تفرضه المسؤولية القضائية من معايير خاصة في السلوك والتصرف، داعيًا الأعضاء إلى الحفاظ على هيبة المنصب دون تكبر، وصون وقاره دون جفاء، وأن يكونوا أقوياء بالحق لا بالسلطة، ومتواضعين في تعاملهم مع الناس.
وشدد على أهمية الجمع بين الحزم في تطبيق القانون وحسن التعامل مع كل من يلجأ إلى النيابة العامة، مؤكدًا أن احترام المواطنين وصون كرامتهم جزء أصيل من رسالة العدالة.
«وراء كل ورقة في قضية إنسان».. العدالة مسؤولية لا تحتمل الاستهانة
وأكد المستشار محمد شوقي ضرورة إدراك البعد الإنساني للعمل القضائي، موضحًا أن وراء كل ورقة في قضية إنسانًا، ووراء كل خصومة حياة قد تتغير بقرار، وهو ما يفرض على أعضاء النيابة العامة التعامل مع الملفات والقضايا بجدية ودقة وإدراك لعواقب القرارات.
وحذر من الاستهانة بأثر الكلمات أو القرارات، أو الاعتياد على آلام الناس نتيجة تكرار التعامل مع القضايا، مشيرًا إلى أن طبيعة العمل القضائي تستلزم الحفاظ على اليقظة المهنية والإنسانية، وعدم السماح لضغوط العمل بأن تنتقص من واجب الإنصاف واحترام الحقوق.
وأضاف أن هيبة القضاء لا تستمد من خوف الناس منه، وإنما من ثقتهم في عدالته، وهو ما يجعل النزاهة والإنصاف والالتزام بالقانون ركائز أساسية في أداء أعضاء النيابة العامة لمسؤولياتهم.
معايير دقيقة لاختيار الدفعة الجديدة بالنيابة العامة
وتطرق النائب العام إلى إجراءات اختيار الأعضاء الجدد، مؤكدًا أنها استندت إلى معايير دقيقة وموضوعية تستهدف التحقق من توافر الكفاءة العلمية والصلاحية الشخصية والاستقامة الخلقية اللازمة لتولي العمل القضائي.
وأوضح أن الدفعة الجديدة تضم أبناءً من مختلف البيئات الاجتماعية والامتدادات الجغرافية للمجتمع المصري، معتبرًا أن تنوع الخلفيات والخبرات يمثل مصدر قوة للمؤسسة القضائية، ما دام يجمع الأعضاء معيار الاستحقاق والأهلية لحمل المسؤولية.
وأشار إلى أن اجتياز اختبارات ومعايير الاختيار لا يمثل نهاية الطريق، وإنما بدايته، إذ تظل الكفاءة الحقيقية مرتبطة بما يقدمه عضو النيابة العامة من أداء، ومدى التزامه بواجباته وقدرته على تحمل الأمانة الملقاة على عاتقه.
وأكد أن الأعضاء الجدد يمثلون امتدادًا لأجيال تعاقبت على حمل رسالة النيابة العامة، وجيلًا يُنتظر منه الحفاظ على التقاليد القضائية العريقة، مع مواكبة متطلبات العصر وتحدياته.
النائب العام يوجه التحية لأسر الأعضاء الجدد
وحرص المستشار محمد شوقي على توجيه رسالة تقدير إلى أسر الأعضاء الجدد، مشيدًا بدور الآباء والأمهات في دعم أبنائهم طوال سنوات الدراسة والاستعداد للوصول إلى هذه المرحلة.
وأشار إلى أن ما تحقق من نجاح جاء ثمرة سنوات من التربية والصبر والتضحية والدعاء، مؤكدًا أن للأسر نصيبًا أصيلًا في هذه اللحظة التي تمثل محطة مهمة في حياة أبنائها.
وأضاف أن الأعضاء الجدد أصبحوا جزءًا من مؤسسة قضائية عريقة تتولى مسؤولية إعدادهم ورعاية مسيرتهم المهنية وتقويم أدائهم، داعيًا أسرهم إلى مواصلة دعمهم وتذكيرهم بأن القيمة الحقيقية للمسؤولية القضائية لا ترتبط بالأسماء أو المناصب، وإنما بالضمير والنزاهة وحسن أداء الواجب.
«النجاح ليس في المناصب وإنما فيما تحقّقونه من عدل»
وفي ختام كلمته، أكد النائب العام أن اليمين الدستورية يجب ألا تظل مجرد كلمات تُردد خلال مناسبة رسمية، بل ينبغي أن تكون عهدًا حاضرًا في ضمائر أعضاء النيابة العامة طوال مسيرتهم المهنية.
وشدد على أن النجاح في العمل القضائي لا يُقاس بما يصل إليه صاحبه من مناصب، وإنما بما يحققه من عدل، وما يتركه من أثر، وما ينجح في صونه من حقوق، داعيًا الأعضاء الجدد إلى استحضار عظمة القسم الذي أدوه كلما ازدادت المسؤوليات وتعاظمت أعباء العمل.
واختتم بالتأكيد على أن العدالة الحقيقية تظهر في حياة الناس، حين يسترد صاحب الحق حقه، ويشعر المواطن بالطمأنينة إلى أن هناك من يحمي حقوقه ويؤدي واجبه دون تهاون، لتظل رسالة القضاء قائمة على الإنصاف وسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان.















