عواطف أمين تكتب: الشقة ستبقى.. لكن الأم لن تبقى

4 ساعات agoLast Update :
عواطف أمين تكتب: الشقة ستبقى.. لكن الأم لن تبقى

 

 

 

 

واقعة مؤلمة تفتح بابًا واسعًا للحديث عن عقوق الوالدين.. هل يمكن أن يهون العمر كله أمام نزاع على مسكن؟

 

في بعض الحكايات، لا تكون الصدمة في تفاصيل الواقعة وحدها، وإنما في السؤال الذي تتركه خلفها: كيف يمكن أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من القسوة تجاه أقرب الناس إليه؟

 

قصة أم وجدت نفسها، بحسب ما ورد في تفاصيل الواقعة، في مواجهة مع أبنائها بسبب شقتها، بعدما تعرضت للتعدي والضغط لإجبارها على التنازل عنها، تضعنا أمام مشهد شديد القسوة، يتجاوز حدود الخلاف على ملكية أو مسكن، ليطرح قضية أكبر تتعلق ببر الوالدين، وحدود الخلاف داخل الأسرة، ومكانة الأم في حياة أبنائها.

 

وفي حال ثبوت ما ورد من تفاصيل، فإن الأمر لا يمكن اختزاله في مجرد نزاع عائلي؛ لأن الخلاف مهما كان سببه لا يبرر الاعتداء أو الإهانة، ولا يجعل من الأم طرفًا يمكن الضغط عليه بالقوة للحصول على ما يريده الآخرون.

 

عندما يصبح البيت ساحة للخلاف

 

البيت بالنسبة للأم ليس مجرد جدران وسقف.

 

هو المكان الذي عاشت فيه سنوات من عمرها، وربما احتضن أبناءها منذ طفولتهم، وشهد تفاصيل حياتهم وفرحهم وحزنهم.

 

ولهذا فإن الدخول في نزاع على هذا البيت لا يتعلق بالملكية وحدها، بل قد يرتبط لدى الأم بالأمان والاستقرار والذكريات.

 

ومن هنا تصبح الواقعة أكثر إيلامًا؛ لأن من المفترض أن يكون الأبناء هم أول من يحافظ على هذا الأمان، لا أن يتحولوا إلى مصدر للقلق والخوف.

 

الأم لا تحسب ما قدمته لأبنائها

 

الأم لا تملك دفترًا تسجل فيه عدد الليالي التي سهرتها من أجل أبنائها، ولا عدد المرات التي أخفت فيها تعبها حتى لا يشعروا بها.

 

هي تعطي دون أن تنتظر المقابل.

 

تتحمل مسؤوليات الأسرة، وتفرح لنجاح أبنائها، وتحزن لآلامهم، وتظل ترى فيهم أبناءها حتى بعد أن يكبروا ويصبح لكل واحد منهم حياته الخاصة.

 

ولهذا فإن أكثر ما يؤلم في قضايا عقوق الوالدين ليس الخلاف نفسه، وإنما سقوط الرحمة بين أفراد يفترض أن يكونوا الأقرب إلى بعضهم البعض.

 

الخلاف على المال لا يبرر العقوق

 

من الطبيعي أن تختلف الأسر حول المال أو الممتلكات أو السكن.

 

وقد تكون هناك حقوق ووجهات نظر متباينة، لكن القانون هو الطريق لحسم مثل هذه النزاعات، وليس العنف أو الضغط.

 

فالحق لا يصبح حقًا لأن صاحبه استطاع فرضه بالقوة، والخلاف لا يتحول إلى انتصار لمجرد أن الطرف الأقوى تمكن من إخضاع الطرف الآخر.

 

وفي مثل هذه المواقف، يبقى السؤال الأهم:

 

هل يمكن أن تكون قيمة شقة أو عقار أهم من كرامة الأم وسلامتها؟

 

«وقل لهما قولًا كريمًا»

 

قال الله تعالى:

 

«وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»

 

آية تختصر الكثير مما ينبغي أن يعرفه الأبناء عن علاقتهم بوالديهم.

 

فالبر ليس مجرد مساعدة مادية، وإنما احترام ورحمة وحفاظ على الكرامة.

 

وقد يختلف الابن مع والدته في الرأي، وقد يرفض طلبًا لها، وقد يدخل معها في نقاش، لكن الاختلاف يجب أن يبقى في إطار يحفظ لها مكانتها وحقها في الاحترام.

 

أما إذا تحول الخلاف إلى إساءة أو اعتداء، فهنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر.

 

ماذا لو كانت الشقة هي كل ما تملكه الأم؟

 

في كثير من الحالات، يكون المسكن هو آخر ما يمنح الإنسان شعورًا بالأمان.

 

ولهذا فإن الضغط على شخص للتنازل عن مسكنه، خصوصًا إذا كان في سن متقدمة، ليس مسألة بسيطة.

 

الأم قد لا تبحث عن ثروة، ولا تريد امتلاك المزيد.

 

ربما كل ما تريده هو أن تعيش ما تبقى من عمرها في هدوء، وأن تشعر أن أبناءها سيكونون سندًا لها إذا احتاجت إليهم.

 

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة في مثل هذه القصة:

 

الأم التي قضت عمرها تحاول تأمين مستقبل أبنائها، قد تجد نفسها في النهاية مطالبة بالدفاع عن أمانها هي.

 

العقوق لا يُقاس فقط بما تراه العين

 

العقوق ليس بالضرورة مشهدًا صاخبًا أمام الناس.

 

قد يبدأ بكلمة جارحة، أو تجاهل، أو إهانة، أو جحود، أو استغلال لضعف الوالدين.

 

ومع تراكم هذه التصرفات، تتحول العلاقة التي كان يفترض أن تقوم على الرحمة إلى علاقة يسودها الخوف والحسابات.

 

ولهذا فإن حماية الأسرة لا تبدأ عند وقوع الكارثة، وإنما تبدأ من التربية على احترام الوالدين، وتعليم الأبناء أن الخلاف لا يعني إسقاط الاحترام، وأن المال مهما بلغت قيمته لا يساوي صلة الرحم.

 

الشقة يمكن تعويضها.. لكن الأم لا تُعوَّض

 

قد يخسر الإنسان منزلًا ويستطيع بعد سنوات أن يمتلك غيره.

 

وقد يخسر مالًا ويستطيع تعويضه.

 

لكن فقدان الأم شيء آخر تمامًا.

 

عندما ترحل الأم، لا يستطيع أحد أن يعيد صوتها، ولا دعاءها، ولا خوفها على أبنائها، ولا تلك التفاصيل الصغيرة التي لم يكن أحد يشعر بقيمتها إلا بعد غيابها.

 

ولهذا فإن الإنسان العاقل لا ينتظر الفقد حتى يعرف قيمة من كان بين يديه.

 

كلمة أخيرة

 

هذه الواقعة، في حال ثبوت تفاصيلها، ليست مجرد قصة عن شقة.

 

إنها تذكير بأن الأسرة عندما تفقد الرحمة، تصبح كل الخلافات أكبر من حجمها.

 

وتذكير أيضًا بأن الحقوق لها أبواب قانونية، وأن المال يمكن أن يُقسم، والممتلكات يمكن أن تنتقل، لكن كرامة الأم لا ينبغي أن تكون محل مساومة.

 

فمن حق الأبناء أن يطالبوا بحقوقهم بالطرق المشروعة، ومن حق الأم أن تعيش آمنة ومحترمة داخل بيتها، بعيدًا عن أي ضغط أو تهديد أو اعتداء.

 

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه كل ابن على نفسه قبل أن يدخل في صراع مع أمه:

 

لو كانت هذه آخر مرة أراها فيها.. هل سأكون راضيًا عن الطريقة التي عاملتها بها؟

 

فالشقة قد تنتقل من يد إلى يد، والمال قد ينتهي، والخلافات قد تتغير مع مرور الأيام.

 

أما الأم، فإذا رحلت، فلا تعود

Comments
Breaking News

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept